أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

صديق منهك

يمنات

محمد المخلافي

بعد ظهر اليوم كنت في مقيل أحد الأصدقاء، وهو موظف في كلية التجارة بجامعة صنعاء. وجدته مرهقًا ومتعبًا، وإلى جواره أكوام من الأدوية. لقد غابت عنه تلك الإبتسامة العفوية والضحكة التي إعتدت أن أراه بهما في كل لقاء.

جلسنا نتبادل الحديث حتى قُبيل المغرب، عن أحوال الحياة وما آلت إليه أوضاع الناس في هذه السنوات الثقيلة. وبينما كنت أستمع إليه، خطر على بالي أن أكتب عنه. إستأذنته، فوافق، على ألا أذكر إسمه.

عدت إلى البيت مثقلاً، وحاولت أن أكتب هذا النص…

بدأ (ت.ع.س) العمل متعاقدًا في كلية التجارة عام 1995، وهو العام نفسه الذي أكمل فيه الثانوية العامة. كانت بدايته في قسم الإستعلامات دون راتب، وبعد ثلاثة أشهر أصبح يتقاضى ثلاثة آلاف ريال. ولم يكن ذلك كافيًا، فكان يعمل إلى جانب وظيفته في بيع الفراولة والصحف في الجولات والشوارع.

إستمر على هذا الحال سنوات، متنقلاً بين العمل والدراسة، حتى تم تثبيته موظفًا رسميًا عام 2001 براتب عشرين ألف ريال، وكان حينها في سنته الأولى بكلية التجارة. كان طالبًا متميزًا، معروفًا بعلاقاته الطيبة مع زملائه وتعاونه معهم في الدراسة والعمل، وأقام في السكن الجامعي طوال سنوات دراسته، حتى تخرج عام 2005 بدرجة البكالوريوس في إدارة الأعمال.

وفي تلك الفترة أُسندت إليه، إلى جانب وظيفته، مهمة الإشراف على أحد مباني السكن الجامعي للطلاب. واستغل موقعه في مساعدة عدد كبير من الطلاب القادمين من الارياف، على الإلتحاق بالجامعة والإنضمام إلى السكن الجامعي.

وبسبب ذلك تم إستبعاده من مهمة الإشراف على المبنى، ثم غادر السكن الجامعي واستأجر غرفة كبيرة في أحد المباني في الصافية، وجمع فيها عددًا من أبناء قريته الذين قدموا إلى صنعاء من أجل العمل. بقي معهم قرابة ثمانية أشهر، قبل أن ينتقل إلى شقة أكبر وأتى بأسرته من القرية، بمن فيهم إخوته وأخواته، وترك الغرفة للعمال بأثاثها، وظل يدفع إيجارها لفترة بعد أن تركها.

وبسبب تميزه وكفاءته في العمل تم ترقيته إلى رئيس قسم، إلى جانب تكليفه بعدة أعمال أخرى، حيث أُسندت إليه مهام خارجية متعددة، من بينها المشاركة في حملات التعداد السكاني والمسوحات الإحصائية حتى عام 2009.

وخلال هذه الفترة إستأجر شقة أخرى بجانب شقته، خصصها للمرضى والطلاب القادمين من قريته.

مع موجة ثورات الربيع العربي عام 2011، وما آلت إليه الأوضاع من انعكاسات عصفت بالبلاد وأدخلتها في حالة من الفوضى، ثم اندلاع الحرب عام 2015، ظل متماسكًا يحتضن أسرته وإخوته ولم يتخلَّ عن أبناء قريته. والتحق بدراسة الماجستير في الإدارة من عام 2016 إلى 2019.

بعد ذلك بدأ الوضع يتدهور أكثر، وتفاقمت المسؤوليات، واستمر على هذا الحال حتى عام 2024، قبل أن يضطر إلى نقل أسرته إلى القرية، وانتقل هو إلى غرفة صغيرة في بيت شعبي متهالك مطل على أحد الشوارع الرئيسية، بين ضجيج السيارات والمارة.

مؤخرًا تم إستبعاده من عمله، وتم تجريده من العلاوات، وتقلص راتبه إلى أقل من النصف، وأصبح غير كافٍ للوفاء بإلتزاماته. تدهور وضعه بشكل سيئ جدًا، حتى أنه كان يقتصد في أكله إلى وجبتين في اليوم، وأحيانًا إلى وجبة واحدة فقط.

ونتيجة لذلك أصيب بجلطة دماغية قبل خمسة أشهر وهو في العمل، وتم إسعافه إلى أحد المستشفيات، وبقي في العناية المركزة لمدة أسبوعين حتى تجاوز مرحلة الخطر، ثم نُقل إلى الرقود الخاص لمدة ثلاثة أسابيع تحت الملاحظة، وما يزال حتى الآن يستخدم العلاج.

حتى أنه قال لي إنه يتمنى أن يحصل على فرصة السفر إلى أحد دول الجوار للعمل، حتى لو راعي غنم، ليبتعد عن هذا الوضع الذي أصبح لا يُطاق.

صديقي (ت.ع.س) ما هو إلا حالة واحدة ضمن سلسلة طويلة من أولئك الذين وصل بهم الحال إلى ما هو أسوأ من ذلك، كل هذا بسبب الوضع الراهن الذي تعيشه بلادنا منذ أكثر من عقد ونصف، أمام مرأى ومسمع العالم. وكان اليمن، تلك البلاد العظيمة التي كانت مهد الحضارات والتاريخ، تعيش وكأنها خارج الكرة الأرضية.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.